السوريون في عين العاصفة.. نظام الكوتا في النمسا يدخل حيز التنفيذ وسط غموض يُثقل كاهل عائلات اللاجئين
النمسا ميـديـا – فيينا:
دخل القانون الجديد الخاص بفرض نظام الحصص (الكوتا) على إجراءات لم شمل أسر اللاجئين في النمسا حيز التنفيذ مع نهاية الأسبوع، وذلك بقرار من وزير الداخلية النمساوي Gerhard Karner من حزب الشعب ÖVP لحماية المرافق الحكومية والقطاع التعليمي من أعباء الضغط الزائد، وهو ما تسبب في حالة واسعة من عدم اليقين والقلق لدى العائلات المتأثرة، ومن بينها الشاب السوري Hassun Alhassun المقيم في العاصمة فيينا والذي ينتظر لم شمله بأسرته منذ سنوات.
معاناة المستفيدين وتفاصيل الغياب الطويل
“لا توجد كلمات تشرح هذا الشعور”، بهذه العبارات يصف الشاب السوري Hassun Alhassun البالغ من العمر 27 عاماً معاناته؛ إذ انفصل عن زوجته وطفليه — ابنة تبلغ الآن من العمر خمس سنوات وابن يبلغ ست سنوات — منذ خمس سنوات كاملة عندما انطلق نحو النمسا، بينما بقيت عائلته ذات الجنسية السورية في تركيا وتعيش هناك حتى اليوم. ويضيف موضحاً: “يكبر الأطفال دون أن يروا والدهم، إنها فترة صعبة للغاية”.
ويسعى Hassun Alhassun، كغيره من آلاف اللاجئين، إلى استقدام أسرته بعد سنوات من الفراق عبر آلية لم الشمل العائلي، التي تُعد الممر القانوني الأهم لإعادة شمل العائلات المشتتة. إلا أن الوزير Gerhard Karner كان قد أوقف هذا المسار بدءاً من يوليو 2025 لمدة عام بموجب مرسوم طوارئ، مبرراً ذلك بالوضع المتأزم في المدارس، ولا سيما في العاصمة النمساوية فيينا.
الفراغ القانوني وغياب التحديد الدقيق للحصص
ورغم أن مرسوم الطوارئ أصبح من الماضي منذ أسابيع، إلا أن المتأثرين ما زالوا يواجهون مجهولاً حقيقياً. ورغم دخول قاعدة الحصص حيز التنفيذ يوم الجمعة، إلا أنه لم يتم الوصول بعد إلى اتفاق نهائي بشأن مرسوم الاستقرار والتوطين بين الحكومة الاتحادية والولايات النمساوية، وهو المرسوم الذي يحدد الحصص الفعلية لكل ولاية. ونتيجة لذلك، يظل من غير المعلوم متى سيبدأ المكتب الاتحادي للهجرة واللجوء BFA في اتخاذ القرارات الأولى.
وينص النظام الجديد أساساً على أنه يتوجب توفر شاغر في كوتا الحصص، بالإضافة إلى الشروط السابقة للحصول على موافقة لم الشمل. وهذا يعني بالنسبة للعديد من الأشخاص المستحقين للحماية فترات انتظار أطول بكثير لرؤية ذويهم. ففي السابق، كان يحق للمستفيدين من حق اللجوء استقدام أفراد أسرهم المقربين (الأطفال والزوجات والأبناء أو الوالدين) بشكل فوري تقريباً.
الفوارق الشاسعة بين صفة اللجوء والحماية الثانوية
في المقابل، كانت العقبات أعلى بكثير بالنسبة للحاصلين على الحماية الثانوية مثل Hassun Alhassun، حيث لم يكن يُسمح بتقديم طلب لم الشمل إلا بعد مرور ثلاث سنوات كاملة على منحهم الشروط والحماية. علاوة على ذلك، كان يجب على الحاصلين على الحماية الثانوية إثبات توفر سكن ملائم وتأمين صحي ودخل مالي كافٍ؛ فبالنسبة لعائلة مكونة من طفلين، يتطلب الأمر دخلاً صافياً يقارب 2450 يورو شهرياً، يضاف إليها تكاليف الإيجار ورسوم الطلب التي تبلغ مئات اليوروهات.
ويجدر بالذكر أن الحاصلين على صفة اللجوء هم الأشخاص الذين يتعرضون للملاحقة الفردية في بلدانهم بسبب الدين أو العرق أو الجنسية أو الرأي السياسي أو الانتماء لجمهرة اجتماعية. أما الحاصلون على الحماية الثانوية، فلا يتعرضون للملاحقة الشخصية المباشرة، لكنهم يواجهون أخطار التعذيب أو عقوبة الإعدام أو العنف العشوائي في بلادهم الأصلية.
تقليص فترة الانتظار نظرياً وغموض واقعي
مع التحول إلى نظام الحصص (الكوتا)، تم تقليص فترة الانتظار للحاصلين على الحماية الثانوية بموجب القانون لتصبح “سنتين على الأقل”، وذلك تجاوباً مع قرار المحكمة الدستورية العليا VfGH. ولكن نظرًا لأن الوزير Gerhard Karner وعدد من الولايات النمساوية يضغطون باتجاه تخفيض الحصص إلى مستوى يقارب الصفر، فمن المتوقع أن يواجه المستفيدون من الحماية الثانوية فترات انتظار طويلة مجدداً.
ويرى Hassun Alhassun أن الوضع أصبح منهكاً للغاية؛ حيث تقدمت عائلته بطلب لم الشمل منذ نحو سبعة أشهر. ومن جانبه، أكد Lukas Gahleitner-Gertz من منظمة asylkoordination أن موعد إعادة الشمل أصبح مجهولاً بالكامل مع الانتقال لنظام الكوتا، مشيراً إلى أن نظام الحصص بحد ذاته يتعارض بشكل صارخ مع الأطر القانونية الأوروبية، مما يترك لدى المتأثرين “شعوراً بالديمومة من عدم الأمان والشك”.
تحذيرات الأمم المتحدة من إعاقة الاندماج والتعليم
من جهته، حذر Christoph Pinter ممثل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNHCR، من أن “القلق الدائم على الأسرة” يشكل “عائقاً كلياً” أمام عملية الاندماج، موضحاً: “لا يستطيع الشخص التركيز في مسار اندماجه، وهو مشتت الذهن ويشعر بالخوف المستمر على عائلته”.
وترفض المفوضية UNHCR نظام الحصص الجديد؛ إذ إن العائلات كانت تعاني أصلاً من الفراق الطويل بسبب رحلات اللجوء وإجراءات المعاملات. ومع إدخال الكوتا، تزداد هذه المدة طولاً، وهو أمر بالغ الخطورة خاصة على الأطفال. وحسب Christoph Pinter، إذا وصل الأطفال متأخرين بنحو ثلاث أو أربع أو خمس سنوات إلى النمسا، فسيكونون في سن يصعب عليهم فيه مجاراة المستوى التعليمي لأقرانهم من الأطفال النمساويين.
ومع ذلك، يوضح مدير مكتب الأمم المتحدة للاجئين في النمسا أن لم الشمل لن يتوقف تماماً بغض النظر عن حجم الكوتا، حيث ينص القانون على ضرورة إتمام الشمل بعد ثلاث سنوات كحد أقصى من تقديم الطلب، إذ يصبح حق الحياة الأسرية بموجب المادة 8 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان EMRK ذا وزن قانوني يتيح دخول الأقارب حتى دون الحاجة لكوتا.
الداخلية النمساوية: تخفيف العبء على المنظومة أولويتنا القصوى
ورداً على استفسارات موقع ORF.at، صرحت وزارة الداخلية النمساوية بأن تخفيف الضغط عن الأنظمة والخدمات الحكومية يمثل “أولوية قصوى”، مشددة على أن “المنظومة الفعالة فقط هي التي تمكّن من تحقيق اندماج ناجح”.
وتجدر الإشارة إلى أن قضية لم الشمل كانت قد تصدرت المشهد في عامي 2023 و2024، عندما وصل آلاف الأطفال والشباب إلى البلاد عبر هذه الآلية، وكان معظمهم من الجنسية السورية. وظهرت آثار ذلك بشكل ملحوظ في المدارس التي شهدت تحديات وصراعات بسبب التفاوت في المستويات التعليمية، ما دفع حزب الشعب ÖVP إلى التعهد بإعادة تنظيم الملف. وفي الفترة الأخيرة، انخفضت معدلات وصول الأقارب بشكل كبير جداً.
رفض التعميم والتمسك ببناء المستقبل في النمسا
يقول الشاب السوري Hassun Alhassun: “يجب على الحكومة أن تفكر أيضاً في الأشخاص الإيجابيين، وأنا أحدهم”. ويتحدث الشاب البالغ 27 عاماً اللغة الألمانية بطلاقة، ويعمل منذ عام لدى شركة السكك الحديدية النمساوية ÖBB. ويضيف: “لقد اندمجت جيداً في المجتمع، وأملك وظيفة مستقرة، وأعمل بكثرة، ولدي شقتي الخاصة، وأدفع الإيجار والضرائب، ولا أريد الاعتماد على المساعدات الاجتماعية”.
ويرى Hassun Alhassun أنه لا ينبغي للحكومة أن “تضع جميع الناس في إناء واحد” لمجرد التحديات المطروحة في المدارس. كما يستبعد الشاب العودة إلى سوريا نهائياً، متجاهلاً حملة مكافآت العودة التي أطلقتها وزارة الداخلية والمستمرة حتى سبتمبر والتي استهدفت السوريين تحديداً. ويقول: “العيش مع عائلتي هو كل ما أتمناه، وهذا هو هدفي الوحيد”. وفي الوقت الحالي، يتواصل مع زوجته وأطفاله عبر الهاتف، مشيراً إلى أن أطفاله يتدربون على اللغة الألمانية، رغم أنهم نادراً ما يغادرون المنزل في ظل الأجواء المشحونة في تركيا التي استقبلت ملايين اللاجئين السوريين.
مخاطر الاندفاع نحو المهربين وخطوط السفر الخطرة
وفي ختام حديثه، حذر Christoph Pinter، رئيس مكتب UNHCR في النمسا، من أن العائلات التي تنتظر في الخارج لفترات طويلة قد تبحث عن بدائل أخرى. وقد يؤدي فرض الكوتا في النهاية إلى دفع أفراد العائلات اليائسين للجوء إلى طرق غير شرعية للوصول إلى النمسا.
وأكد قائلاً: “إن هذا الإجراء قد يدفع المزيد من الأشخاص للجوء إلى المهربين وسلوك طرق تهدد حياتهم بالخطر”، وذلك على الرغم من أن النمسا تعلن باستمرار التزامها بمكافحة تهريب البشر.